المستندات العرفية وأثرها في الإثبات

مقال قانوني يوضح شروط المستند العرفي وحجيته والرسائل الخطية في الإثبات.

فرج عبد الله الجدعاني
م. فرج عبد الله الجدعانيالرئيس التنفيذي

تُعد المستندات العرفية من أكثر وسائل الإثبات حضورًا في المعاملات اليومية، إذ يعتمد عليها الأفراد والمنشآت في توثيق الالتزامات والعقود والتصرفات دون أن تكون محررة بمعرفة موظف عام. وتظهر أهمية هذه المستندات عند النزاع، إذ يتوقف أثرها على توافر شروطها وطريقة تعامل الخصم معها أمام القضاء.

أولًا: تعريف المستندات العرفية

المستندات العرفية هي المحررات الصادرة من الأفراد دون تدخل موظف عام في تحريرها. ويمكن تعريفها بأنها ورقة مشتملة على كتابة موقعة ممن صدرت عنه، قاصدًا بها إعداد الدليل على العقد أو التصرف الذي تنطوي عليه، دون أن يتدخل في تحريرها موظف عام أو تحرر أمامه مع اختلال شرط من شروط الرسمية.

ثانيًا: شروط المستندات العرفية

يقوم المستند العرفي على شرطين رئيسيين هما: الكتابة والتوقيع.

الشرط الأول: الكتابة

اشتراط الكتابة أمر بديهي، إذ بدونها لا يوجد مستند يمكن الاعتماد عليه في الإثبات. ولا يشترط في الكتابة شكل خاص، فكل كتابة تؤدي المعنى المقصود تكون كافية، سواء كانت باللغة العربية أو بغيرها، وسواء كانت بخط يد من وقعها أو بخط شخص آخر، أو مكتوبة بالحاسب الآلي أو الآلة الكاتبة.

كما لا يشترط نوع معين من أدوات الكتابة، وإن كان الأفضل استخدام وسيلة ثابتة تحفظ النص من الاختفاء أو العبث. ولا يوجد تحديد لازم لكل بيانات المستند العرفي، غير أن الأحوط استكمال البيانات المفيدة، مثل ذكر المبالغ بالأرقام والحروف، وتحرير العبارات بدقة ووضوح. ولا يضر وجود إضافات بين السطور أو في هامش الورقة، وإنما تخضع هذه الإضافات لتقدير القاضي في اعتبارها من عدمه.

الشرط الثاني: التوقيع

التوقيع هو الشرط الجوهري في المستند العرفي؛ لأنه يتضمن إقرار الموقع بما ورد في المستند، ويعد دليلًا على الرضا بمضمونه. ويكفي لصحة التوقيع وجود علامة مميزة خاصة بالشخص الموقع تسمح بتحديد شخصيته، سواء كانت إمضاءً، أو بصمة إصبع، أو بصمة خاتم.

ويطلب التوقيع ممن يلتزم بمضمون المحرر، فإذا كان العقد ملزمًا للطرفين وجب توقيع كل منهما، أما إذا كان ملزمًا لجانب واحد فيكفي توقيع من يلتزم به. ولا يشترط أن يكون التوقيع في مكان معين، إلا أن وضعه في نهاية المحرر هو الأوضح في الدلالة على الإقرار بما سبقه. وإذا تعددت أوراق المستند واقتصر التوقيع على الورقة الأخيرة، فينبغي وجود ما يدل على اتصالها ببقية الأوراق، ويخضع تقدير ذلك للقاضي.

ثالثًا: أثر المستندات العرفية في الإثبات

إذا أبرز أحد الخصوم مستندًا عرفيًا يحمل توقيع الطرف الآخر، فإن موقف الطرف الآخر لا يخرج غالبًا عن ثلاث حالات: الإقرار، أو السكوت، أو الإنكار.

الحالة الأولى: الإقرار بالتوقيع

إذا أقر الطرف الآخر بأن التوقيع توقيعه، كان هذا الإقرار حجة عليه ودليلًا على صدور الورقة منه، ولا يسوغ له بعد ذلك الرجوع عن إقراره لمجرد إنكاره السابق أو اللاحق.

الحالة الثانية: السكوت

إذا سكت الطرف الآخر عن إنكار التوقيع مع قدرته على الإنكار، عُدّ سكوته قرينة على الإقرار الضمني بنسبة التوقيع إليه، وقد يسقط حقه في الإنكار بعد ذلك ما لم يثبت سببًا معتبرًا لهذا السكوت.

الحالة الثالثة: إنكار التوقيع

إذا أنكر الطرف الآخر التوقيع المنسوب إليه على المستند العرفي، وجب أن يكون إنكاره صريحًا ومحددًا. فلا يكفي أن يظهر الشك أو يقرر أنه لا يتذكر هل وقع أم لا، لأن ذلك لا يعد إنكارًا صريحًا. وعند الإنكار، يقع على من يتمسك بالمستند عبء إثبات صدوره ممن نسب إليه التوقيع، وذلك بطلب التحقيق في الخط أو الإمضاء أو البصمة أو الختم بحسب الأحوال.

ومع ذلك، إذا وجدت لدى القاضي من وقائع الدعوى ومستنداتها ما يكفي لاقتناعه بصحة التوقيع، فقد لا يلزم بإجراء تحقيق مستقل. كما يجب أن يكون إنكار المستند العرفي قبل مناقشة موضوعه، لأن مناقشة موضوع المستند بعد الاطلاع عليه تعد قرينة قوية على الاعتراف بصحته.

رابعًا: التوقيع بالختم والوفاة والتصديق الرسمي

قد يقر الشخص بأن بصمة الخاتم الواردة على المستند هي بصمة ختمه، لكنه ينكر أنه هو من وضعها. وفي هذه الحالة قد تقوم حجية المستند في مواجهته، ولا يتخلص منها إلا بإثبات التزوير أو إساءة استعمال الختم بحسب ما تقدره المحكمة.

أما إذا كان صاحب التوقيع قد توفي، فإن الورقة تكون حجة في مواجهة الورثة إذا أقروا بها. ولهم أن ينفوا العلم بأن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة لمورثهم، فتكون اليمين هنا يمينًا على نفي العلم لا على نفي التصرف ذاته. وإذا كان التوقيع مصدقًا عليه رسميًا، فلا يكفي إنكاره، وإنما يكون الطريق هو الادعاء بالتزوير؛ لأن التصديق الرسمي يضفي على التوقيع قوة خاصة في الإثبات.

خامسًا: حدود حجية المستند العرفي

ثبوت صدور الورقة ممن وقعها لا يعني بالضرورة التسليم بكل ما ورد فيها على إطلاقه. فقد يقر الشخص بصحة توقيعه، لكنه ينازع في بعض البيانات أو يدفع بالصورية أو بعدم قبض الثمن أو بغير ذلك من الدفوع التي يجوز إثباتها وفق القواعد المقررة.

سادسًا: الرسائل الخطية وأثرها في الإثبات

الرسائل الخطية هي خطابات مكتوبة يرسلها شخص إلى آخر بشأن معاملة أو تعهد أو مسألة قائمة بينهما. والرسالة في الأصل مملوكة للمرسل ما دامت لم تصل إلى المرسل إليه، فإذا وصلت انتقلت حيازتها ومصلحتها العملية إلى المرسل إليه.

والرسائل لا تعد غالبًا معدة للإثبات ابتداءً، إلا أنها قد تتضمن عبارات أو بيانات تثبت حقًا أو التزامًا. وقد اختلف الباحثون في حجيتها؛ فمنهم من ألحقها بالمستندات العرفية إذا كانت موقعة، ومنهم من جعلها خاضعة لتقدير القاضي بحسب ظروف كتابتها ووضوح عباراتها.

والأقرب أن الرسالة الموقعة يمكن أن تأخذ حكم المستند العرفي متى كانت عباراتها واضحة ودالة على الحق أو الالتزام، لأن الإنسان مؤاخذ بما يكتبه كما يؤاخذ بما يتلفظ به. أما إذا كانت العبارات مبهمة أو محتملة، فإن للقاضي أن يفسرها في ضوء سياقها والظروف التي كتبت فيها.

خاتمة

يبقى المستند العرفي وسيلة مهمة في الإثبات متى توافرت كتابته وتوقيعه، غير أن قوته العملية تتوقف على وضوح عباراته، وسلامة توقيعه، وطريقة تعامل الخصوم معه أمام القضاء. ولذلك فإن العناية بتحرير المستندات، واستكمال بياناتها، وتحديد الالتزامات بدقة، من أهم وسائل حماية الحقوق والحد من المنازعات.